محمد بن يزيد المبرد
442
المقتضب
وقد قال قوم : « أحسن » صلة ل « ما » ، والخبر محذوف . وليس كما قالوا ؛ وذلك أنّ الأخبار إنّما تحذف إذا كان في الكلام ما يدلّ عليها . وإنّما هربوا من أن تكون « ما » وحدها اسما ، فتقديرهم : الذي حسّن زيدا شيء ، والقول فيها ما بدأنا به من أنّها تجري بغير صلة ، لمضارعتها الاستفهام والجزاء في الإبهام . * * * فإذا قلت « ما أحسن زيدا » ! لم يجز أن تضع الفعل المضارع هاهنا فتقول : « ما يحسن زيدا » ، و « ما محسن زيدا » ؛ لأنّ معنى التعجّب إنّما دخله على هيئة ، إن زال لفظها ، زال المعنى . ألا ترى أنّك تقول : « العمر » ، و « العمر » ، ولا يقع في القسم إلّا مفتوحا ؛ لدخول المعنى على هذه الهيئة . * * * ولو قلت : « ما أحسن عندك زيدا » ، و « ما أجمل اليوم عبد اللّه » ! لم يجز ، وكذلك لو قلت : « ما أحسن اليوم وجه زيد » ! و « ما أحسن أمس ثوب زيد » ! لأنّ هذا الفعل لمّا لم يتصرّف ، لزم طريقة واحدة ، وصار حكمه كحكم الأسماء . والدليل على ذلك أنّك تقول : « أقام عبد اللّه زيدا » ، فتنقلب « الواو » « ألفا » ، لأنّه فعل ، وتقول في الاسم : « هذا أقوم من ذا » ، فلا يعلّ ، وتقول في التعجّب ؛ « ما أقوم زيدا » ! و « ما أبيعه » ! فيكون هذا الفعل لاحقا بالأسماء لما أخبرتك به من قلّة تصرّفه . * * * واعلم أنّ بناء فعل التعجّب إنّما يكون من بنات الثلاثة ، نحو : « ضرب » ، و « علم » ، و « مكث » ، وذلك أنّك تقول : « دخل زيد » : و « أدخلته » ، و « خرج » ، و « أخرجته » ، فتلحقه الهمزة ، إذا جعلته محمولا على « فعل » . وكذلك تقول : « حسن زيد » ، ثمّ تقول : « ما أحسنه » لأنّك تريد : شيء أحسنه . فإن قيل : فقد قلت : « ما أعطاه للدراهم » ! و « أولاه بالمعروف » ! وإنّما هو من « أعطى » ، و « أولى » . فهذا - وإن كان قد خرج إلى الأربعة - فإنّما أصله الثلاثة والهمزة في أوّله زائدة . وعلى هذا جاء : وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ « 1 » ولو كان على لفظه لكان « ملاقح » ؛ لأنّه يقال : « ألحقت ، فهي ملقحة » ، ولكنّه على حذف الزوائد . ومن ذلك قوله [ من الرجز ] : [ 455 ] - يخرجن من أجواز ليل غاضي
--> ( 1 ) الحجر : 22 . [ 455 ] - التخريج : الرجز لرؤبة في ديوانه ص 82 ؛ وأدب الكاتب ص 612 ؛ وإصلاح المنطق